الأخبارالمياهحوارات و مقالاتمصر

د يسري خفاجي يكتب: الدبلوماسية المائية بين التشخيص والعلاج لأزمات المياه

خبير الموارد المائية

تمثل الندرة المائية ومحدودية المياه فى ظل وجود نمو سكانى مضطرد وبالتزامن مع المتُغيرات البيئية المتسارعة وفى مقدمتها التغيرات المناخية حالة من الخطر الذى يهدد أمن ومقومات التنمية التى تنشدها الدول التى تعانى من تلك الندرة وخاصة الدول التى تأتى معظم مواردها المائية من خارج حدودها مثل العراق وسوريا والأردن ومصر كمثال صارخ فى وطننا العربى.

وهذا الأمر يتطلب تكامل الجهود فى أكثر من محور لمجابهة تلك التحديات. وتعتبر الدبلوماسية المائية أحد أهم هذه المحاور حيث تمثل “الدبلوماسية المائية” أحد الصيحات الدولية الحديثة التى تعتبر واحدة من أحدث الدبلوماسيات غير التقليدية التي انتشر مفهومها في الآونة الأخيرة في ممارسات العلاقات الدولية، وتتجلى فعاليتها إذا ما تزامنت مع المفاهيم غير النمطية ونظريات الأمن بمفهومه العام والأمن غير التقليدى بمفهومه الخاص أو بتلك النزاعات الباردة على حصص المياه في الأحواض الدولية ..

وهذا يأخذنا إلى ضرورة تحديد هذا المفهوم وهل هو تشخيص لأزمات المياه أم أداة لعلاجها وحلها؟ وفى السطور التالية سنتعرف على المفاهيم السائدة للدبلوماسية المائية وأدواتها التشخيصية والعلاجية لأزمات المياه.

يمكن تعريف الدبلوماسية المائية بأنها أحد أدوات التعامل مع النزاعات المائية التى يمارس فيها تنفيذ نمط إدارة مائية تكيفية لقضايا المياه شديدة التعقيد حيث يعد ذلك أحد أنماط الدبلوماسية الحديثة التي تعتمد على نهج تكثيف ممارسة الدبلوماسية تجاه أزمات المياه على وجه التحديد وتشخيص مشاكل المياه من خلال المفاوض المختص وتحديد نقاط التدخل واقتراح الحلول المستدامة التي تراعى وجهات النظر المتنوعة والقيم المستهدفة ومواطن الغموض وعدم التيقن (Uncertainty) فضلا عن المتغيرات الطارئة على صعيد التنافس بين الدول في مجالات المياه مع الإلمام التام بالاحتياجات التي تتطلبها كل حالة.

كما يمكن تعريف الدبلوماسية المائية بأنها مجموعة الأنشطة والفعاليات التفاوضية والدبلوماسية التي تستهدف قضية مائية معينة بحيث يتم حشد الكوادر والجهود البشرية وتخصيص الإمكانات المادية والمعنوية خلال فترة زمنية محددة لتحقيق أهداف إستراتيجية على الصعيد المائي الإقليمي والدولي، وبحيث تكون هناك خطة إستراتيجية مائية تسعى الأجهزة الدبلوماسية من خلال تحركاتها وأنشطتها الخارجية إلى تحقيق أهدافها.

وبالنظر إلى هذا التعريف نجد أن الدبلوماسية المائية هنا ترتكز على إنشاء حلول مبتكرة تقوم على أساس علمي يتلمس القيود المجتمعية لمجموعة واسعة من مشاكل المياه، ويفهم منه أيضا أنه الآلية التي تشتمل على أدوات الدبلوماسيين تجاه مشاكل المياه والسياسات البيئية واستراتيجية إدارة المياه والحلول الهندسية التي تجتمع معا وتطبق في سياق مشكلة المياه لتوفير الحلول السياسية والتفاوضية الإجرائية على المستوى المناسب لكل حالة على حدة.

والدبلوماسية المائية هي كذلك مجموع الإجراءات والآليات والموارد التي يمكن استخدامها على نحو مرن للتركيز على بناء وتعزيز الثقة بين الدول المتشاطئة في مصادر المياه العذبة والمالحة سواء أنهار أو بحارحيث يمكن للبلدان التي تشهد صراعات مائية التوصل إلى اتفاقات ترضي احتياجات مواطنيها من المياه فضلا عن مصالحها الوطنية عن طريق تلك الآليات من خلال التوصل إلى تقنيات مبتكرة وإدارة تعاونية وتشبيك مصالح لا يمكن من خلالها تسهيل حل المشكلات فحسب بل ويمكن أيضا من خلالها إدخال وسيلة مهمة لتعزيز الحلول المستدامة التي تلقى قبولا لجميع الأطراف لتحقيق المصالح الوطنية دون الإضرار بأى طرف من الأطراف.

ويرى المتخصصون الباحثون فى قضايا  المياه أن أدوات الدبلوماسية المائية يجب أن ترتكز على النواحى العلمية والفنية المساعدة لتشكيل وصقل النواحى المعرفية لدى الدبلوماسيين والتى يجب أن يتسلح بها المفاوضون في مجالات الدبلوماسية المائية حيث يلعب العلم دور كبير في تغيير مسارات أى تفاوض ..

وتعد المعرفة العلمية والفنية حجر الزاوية فى حلقات المفاوضات المائية والتى تستخدم فيها المعلومات العلمية لحلحلة أى خلافات سياسية بين الدول وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعلومات العلمية المائية قد تزايدت بشكل كبير خلال العقود المحدودة الماضية فى ذات الوقت التى لم تتحسن فيه قدرة الدول على إدارة موارد المياه نسبيا.

هذا ويتفق عدد كبير من العلماء المتخصصين فى أنه يوجد فارقاً كبيراً بين المعرفة عن الماء كمخلوق فطرى والمعرفة عن الماء كمورد له أوجه متعددة وليس أدل على ذلك ما يشهده العالم من معرفة تحسنت بشكل ملحوظ عن التغيرات المناخية العنيفة حيث تمثل ذلك فى استيعابنا وفهمنا للعمليات الجوية والهيدرولوجية المتعلقة بالمياه (كمادة) فى ذات الوقت الذى يموت فيه آلاف البشر وتفقد فيه المليارات سنويا بسبب عدم القدرة على توقع مواعيد حدوث الفيضانات والجفاف وحرائق الغابات التى تعد أحد أهم مظاهر التغيرات المناخية على مستوى العالم.

يرى البعض أن الربط بين الخبراء وخلق المزيد من المعرفة العلمية وتطوير قدرات نموذجية أكثر وتبادل البيانات قد يكون كافيا لتحسين إدراة المياه، بينما قد يكون من الأجدر استخلاص معلومات علمية وفنية وطرق أكثر فعالية لخلق معرفة قابلة للتنفيذ تكون جديرة بالثقة ويسهل الحصول عليها ويتم استخدامها من قبل جميع الأطراف لتعزيز السياسات وتنفيذ البرامج المائية وذلك لن يتأتى إلا بالتعاون بين الأطراف المتفاوضة.

كما أن النتائج العلمية المتعلقة بالمياه تتوقف عادة – فى جزء كبير منها – على الأحكام غير الموضوعية والأحكام المحملة بقيمة مثل: كيفية قياس وتقيم الاستخدامات المتنافسة (كما هو الحال فى الحفاظ على الماء من أجل استخدامه في قطاع الزراعة) وكيفية وضع نطاقا للدراسة (مثل تحديد الأبعاد الجغرافية والزمنية التى يتم استخدامها)، مع تحديد المؤشرات والنماذج التى يتم توظيفها ووضع آلية للتعامل مع البيانات الغير متاحة…

ومثل هذه الأمور يجب أن تكون على درجة كبيرة من الشفافية ويجب أن يتم بالتشاور بشانها مع الأطراف الذين سيتأثرون بالنتائج علماً بأنه يمكن أن تساعد التحليلات العلمية والفنية فى خلق وتحديد القيمة، ولن يتحقق ذلك إلا عندما ينظر إليها على أنها مفيدة لأطراف التفاوض. ويعتبر العمل المشترك أساس ومرتكز رئيسى فى عملية الدبلوماسية المائية وحالات التفاوض حيث يمثل فحص مدى دقة وصحة البيانات المقدمة من طرف واحد، باستمرار محل تساؤل وتمحيص الطرف الآخر، لكنه لم يقوض الثقة المتبادلة بينهما.

ومن المفيد أيضا للدبلوماسية المائية تواجد منسق ماهر فى مفاوضات المياه فى كل نطاق ومرحلة، فى الحالات التى يكون فيها التفاوض على نقاط أو مشكلات فنية أو تقنية حتى يتمكن من إطلاع أصحاب المصالح (الإدارة السياسية – الرأى العام) على أدق حقائق الأمورحيث يمكن مع هذا الدعم التقني للأطراف المتفاوضة خلق قيمة من خلال تحديد التغييرات فى الممارسة أو السياسة التى من شأنها أن  تكون مفيدة لجميع الأطراف.

على سبيل المثال: تحديد تكنولوجيات جديدة وتكاليفها وفوائدها قد يغير ديناميكيات العرض والطلب فى حوض النهر المشترك وبالتالى، فمن المهم على الأجهزة الدبلوماسية جلب المعرفة العملية والأفكار فى جميع مفاوضات المياه، ولكن ليس فقط لتبرير القرارات التى يتخذها أحد الأطراف، بل ينبغى أن تستخدم المدخلات العلمية الموثقة والتى تمكن الأطراف أصحاب المصلحة استخدام تلك المعلومات والمدخلات لصياغة الاتفاقات المثمرة فى إطار من التعاون القائم على تحقيق المصالح المشتركة دون التسبب فى أضرار لأى طرف من الأطراف.

وجدير أيضاً بالمفاوض في مسائل الدبلوماسية المائية أن يتسلح بأدوات تمكنه من الإحاطة بها وممارسة “فن الممكن لتحقيق المصالح الوطنية” على نحو جيد، وعلى رأس هذه الأدوات مجموعة من العلوم المساعدة التي تمكن الدبلوماسي على طاولة التفاوض من التوصل إلى حلول ناجزة، وذلك لما تتصف به الدبلوماسية المائية من أنها عمل شاق يحتاج إلى صبر ويتطلب الكثير من الجهد والعمل الدؤوب من خلال التحصيل المعرفى المتنوع.

فعلى المفاوض أن يعى جيدا أن الدبلوماسية المائية شأنها شأن باقى أنواع العمل الدبلوماسى تحتاج إلى معارف إنسانية وعلمية متداخلة شديدة التعقيد ومتاشابكة فيما بينها ولا يمكن أن يحاط فقط بعلوم المياه منفردة، بل يلزمه إلى جانب ذلك عددا من المعارف والعلوم الأخرى “كاللغة” كأن يكون ملم جيدا باللغة الإنجليزية على الأقل وأن يكون على علم بلغة الطرف المقابل في أروقة التفاوض والتى تمكنه من متابعة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى وقياس توجهات الرأي العام ومعرفة مدى الضغوط أو الدعم المصاحب للمفاوض الآخر على طاولة المباحثات.

ومن العلوم الأخرى التى يتوجب على المفاوضين الذين يتصدون لجولات المباحثات المائية أن يكونوا على علم بفقه اللغة لا باللغة فحسب وذلك لأن فهم النصوص المكتوبة بلغة الآخر يتطلب إلماما بفقه اللغة لأن اللغة كائن حي يتغير ويتحرك ويتطور تبعا لظروف الزمان والمكان، وفي بعض الحالات يدل اللفظ اللغوي على معنى محدد تماما، وفي أحيان أخرى يدل اللفظ على عدد من المعاني النسبية الموافقة لذكره.

كما أن الدبلوماسية تعتبر أحد أهم العلوم التي يحتاج إليها المفاوض، لا لكى يفهم تاريخ المسألة محل التفاوض وتسلسلها فحسب، ولكن لكي يعى أيضا وهو يتفاوض ويتفق على بنود الاتفاقات أن دلالات الكلمات التي يفسرها المؤرخون والباحثون على المدى القريب والمتوسط والبعيد قد تشكل فارقا جوهريا إذا كتبت على نحو غير واضح الدلالة، وعلى المفاوض في هذا الشأن أن يدرك جيدا ما آلت إليه اتفاقات الماضى ويحللها تحليلا دقيقا حتى يعي ما يمكن أن تؤول إليه اتفاقات الحاضر.

وتأتى علوم الجغرافيا بتشعباتها المختلفة من أهم العلوم على الإطلاق في مسائل الدبلوماسية المائية: “الجغرافيا البشرية والجغرافيا المائية والجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا السياسية وعلوم التضاريس والمناخ”، ذلك أنه ليس من المنطقى أن يجلس الدبلوماسي على طاولة المباحثات للتفاوض بشأن أزمة مائية ولا يكون مدركا إدراكا تاما لطبيعة المصدر المائى وما يحيط به من أرض ولا يكون عالما بديناميكية منابعه ومصباته وأوقات الجفاف والفيضان على حد سواء.

هذا ويعد علم الخرائط من أهم أدوات المفاوض في شؤون الدبلوماسية المائية، ولكى يحقق المفاوض النجاح في هذا الشأن يجب أن يكون على دراية بعلم الخرائط الذي يساعد في تحديد المدخلات بصورة جيدة ويجب على المفاوض أن يدرك جيدا كيفية رسم وتوقيع كافة عناصر ومدخلات الموضوع الخاص بالتفاوض والأرض المحيطة به وموضعها الدقيق من مساقط المياه، ومكانها من المناطق الحدودية على خرائط  بهدف تحديد المخاطر والمكاسب والتحديات بشكل أكثر دقة.

وأمام هذا التعدد في المهام والخبرات، ومع التخصص الدقيق في مجالات العلوم والمعارف المتنوعة التى تتطلبها الدبلوماسية المائية والتى تتسم بالصعوبة البالغة فى وجود شخص واحد يجمع بين هذه المهام، يظل الخيار الأنسب هو تشكيل فرق تفاوضية تتسم بهذه الخبرات، مع ضرورة وجود فرق من المستشارين والفنيين المتخصصين فى هذه العلوم الدقيقة وذلك كله بهدف التشخيص السليم لأعراض الأزمات المائية بين الأطراف المتنازعة ووضع آليات وإجراءات للعلاج والحل المبنى على تحقيق المنافع المشتركة دون إلحاق الضرر بأى طرف من الأطراف مع عدم إغفال معايير قوى الدولة الشاملة فى معادلة التفاوض.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى