أفريقياالأخبارالعالمالمياهالنيلمصر

د نصرالدين علام يكتب: تحول مفاوضات سد النهضة من تعهد أثيوبيا بعدم الإضرار بمصر الى المساومة حول تخفيف الأضرار

وزير الرى الأسبق

فى بداية مفاوضات سد النهضة، كانت اللهجة الأثيوبية السائدة على لسان رؤساء وزرائها بالتعهد بأن لن تسمح بوقوع أى ضرر بالوضع المائى لمصر الشقيقة، لأنّ الهدف من السد هو توفير الكهرباء لمواطنى أثيوبيا وليس الإضرار بمصر وشعبها. وقد صدّقهم جزءاً كبيراً من الشعب المصرى وبما فيهم سياسيين وبعض العلماء المصريين المغتربين فى الولايات المتحدة الأمريكية الذين أفردوا مقالات فى وسائل الإعلام المصرية تشكك فى وجهات نظر شق أخر من العلماء المصريين الذين حذروا دوماً من السد وأخطاره على مصر.

وإختارت القيادة السياسية بعد ثورة يونيو 2013 أن تفتح صفحة جديدة بيضاء مع أثيوبيا فباركت مشروعها بشرط الحفاظ على تعهداتها بعدم المساس بالأمن المائى للبلاد. ومصر ظروفها المائية فى منتهى القسوة، فحصة الفرد المائية حوالى 500 متر مكعب سنوياً وهى الأقل على مستوى دول حوض النيل، ولا يتوفر بها أمطار أو أى مصادر مائية متجددة أخرى.

وقد تدنى نصيب الفرد المصرى من الأراضى الزراعية الى حوالى 5و1 قيراط، فزادت الفجوة الغذائية للبلاد الى حوالى 10 مليار دولار (جوالى 150 مليار حنيهاً سنوياً). ونتيجة للزيادة السكنية زادت كميات المياه المخصصة للشرب الى حوالى 20% من الحصة المائية، وإنخفضت مياه الرى لحوالى 75% من الحصة المائية وهى الأدنى على مستوى حوض النيل.

ونتيجة لشح المياه لم تستكمل مشاريع زراعية عملاقة بعد أن أنفقت الدولة على بنياتها الأساسية عشرات المليارات من الميزانية العامة للدولة، مثل مشاريع توشكى وامتداد الحمام وكوم أمبو وغيرها الكثير.

وتم الإتفاق مع أثيوبيا على إعادة دراساتها لسد النهضة وتحديد كيفية تجنب تأثيراته السلبية على تدفقات نهر النيل لمصر. وإنخرطت الدول الثلاثة مصر وأثيوبيا والسودان فى مفاوضات منذ بدايات 2014 لإعادة الدراسات الأثيوبية لسد النهضة بهدف التوصل الى سياسات متفق عليها لملء السد وتشغيله, ولكن للأسف حتى منتصف 2019، لم تنجح المفاوضات المستمرة طوال هذه السنوات الى بدء أى من الدراسات المطلوبة أو التوافق حول سياسات ملء وتشغيل السد.

وفى نفس الوقت إستمرت أثيوبيا فى إنشاءات السد وقاربت من إنتهاءه لفرض أمر واقع غير قابل للتفاوض. فإضطرت مصر الى الإعلان عن فشل المفاوضات والمطالبة بتدخل وسيط دولى للوصول الى تفاهمات مقبولة من الأطراف الثلاثة، وذلك تبعاً لإعلان المبادئ الموقع من الدول الثلاثة. وبعد محاولات من الصد والرد تم الإتفاق على أن تراقب الولايات المتحدة الأمريكية جولة جديدة من المفاوضات تهدف الى التوصل الى إتفاق حول سياسات ملء وتشغيل السد تحت الظروف الهيدرولوجية المختلفة لتدفقات النهر.

وتشمل هذه الجولة أربعة إجتماعات يتخللها إجتماعين إضافيين فى واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية. والأن قد إنعقدت  ثلاث إجتماعات فى أديس والقاهرة والخرطوم، ومازال يتبقى الإجتماع الأخير الذى سينعقد فى أديس 9-10 يناير القادم، كذلك الإجتماع الأخير فى الولايات المتحدة الأمريكية فى منتصف يناير 2020.

ومسار المفاوضات الحالية توضح جلياً أن مطلب الأمن المائى المصرى غير مقبول من أثيوبيا، حتى أنّ المطالب المصرية بتخفيف الضرر على مصر تبعاً لقواعد القانون الدولى، لا تتقبلها أثيوبيا.

وفوق ذلك تحاول أثيوبيا حصر المفاوضات فقط فى ملء سد النهضة، معتبرة أنّ التفاوض حول تشغيل السد يمس سيادتها وأنّه لم يحين وقت التحدث عنه بعد. ويتضح من ذلك هو تحويل مسار المفاوضات الى التوصل الى صفقة لتعظيم العوائد الأثيوبية، بغض النظر عن جسامة الضرر الذى سيلحق بمصر والمصريين. وبدلاً من إغتنام هذه المفاوضات كفرصة لتوافق الدولتين والتعايش الأمن والتنمية المشتركة، تحولت أثيوبيا تسعى الى التحكم فى مياه النيل الأزرق وفى مقدرات الدولة المصرية.

وخلال الأسابيع الأجيرة، ظهرت المقالات الصحفية الأثيوبية المعادية لمصر مطالبة أثيوبيا بالإنسحاب من المفاوضات، والى إنكار حق مصر فى حماية أمنها المائى، والدعوة للهيمنة الأثيوبية على الأنهار النابعة من أراضيها. وصاحب هذه المقالات تصريحات تجئ من هنا وهناك للضغط على مصر للتنازل عن كل أو جزأ من ثوابت أمنها المائى المعلنة.

ولا نعلم ماذا سوف يحدث خلال إجتماع أديس وإجتماع واشنطن القادمين، وإن كنّا نأمل فى التوصل الى إتفاق يراعى مصالح الدولتين، دون المساس بأمن شعبنا المائى حتى وإن تعرضنا لخسائر كبيرة فى الكهرباء المنتجة من السد العالى. وعموماً سواءا نجحت هذه المفاوضات أم فشلت، فالنتائج ستكون داعمة لمصر لتصعيد التحرك الدولى فى هذه القضية المصرية الوجودية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى