الأخبارالصحة و البيئةبحوث ومنظماتحوارات و مقالاتمصر

د مسعد قطب يكتب:تحديات تغيّر المناخ وتأثيراتها على إنتاج المحاصيل وأستخدام المياه وتدابير التكيف 

 

أستاذ المناخ الزراعي، مركز البحوث الزراعية

الرئيس الأسبق للهيئة الزراعية المصرية والمدير الأسبق لبحوث المناخ الزراعي

 

الوضع الحالى للقطاع الزراعي 

الزراعة أساس للأمن الغذائي وأحد أهم مقومات الأقتصاد الوطنى حيث يساهم القطاع الزراعي بأكثر من 11% )28.16 مليار دولار أمريكي) من الناتج المحلي الإجمالي. ويستوعب القطاع الزراعي أكثر من 25% من قوة العمل ويعتمد سكان الريف (50% من إجمالى عدد السكان) فى دخلهم وتدبير معيشتهم على الإنتاج الزراعي. وتساهم الصادرات الزراعية بحوالى 20% (2.2 مليار دولار) من إجمالى الصادرات. هذا بالإضافة إلى توفير إحتياجات السكان من الغذاء والكساء والدواء والمواد الخام للعديد من الصناعات.

وعلى الرغم من التقدم الكبير فى التنمية الزراعية لتحسين الإنتاجية الزراعية الأفقية والراسية وضخ مليارات الجنيهات في إستصلاح الأراضي الزراعية وأنشاء البنية التحتية، ومع ذلك فإن الفجوة الغذائية فى القمح – الذرة – الزيوت – فول الصويا – العدس – السكر – واللحوم في تزايد مستمر وتبلع حالياً أكثر من 60 % مما يمثل عبء كبير على الموازنة العامة للدولة، حيث تصل واردات مصر من السلع الغذائية لأكثر من 11 مليار دولار، وتعتبر الزيادة السكانية عامل أساسي فى إجهاض التنمية الزراعية وتزايد مستويات الفقر وإضافة ضغوطاً إضافية على موارد المياه والأرض المتاحة للزراعة.

التغيرات المناخية 

يعتبر تغير المناخ أحد الحقائق التى ينبغى أخذها فى الأعتبار فى الخطط المستقبلية، والتعامل مع مؤشرات ذلك حالياً والمتمثلة فى تزايد الموجات الحارة والباردة وزيادة طول فصل الصيف. المفهوم العلمى لظاهرة ” تغير المناخ” يتلخص فى إرتفاع درجات حرارة كوكب الأرض بمعدل حوالى 2°م درجة مئوية بحلول عام 2100 (توزيع إرتفاع درجة الحرارة على الكرة الأرضية سوف يكون متباين وقد يصل إلى 4°م درجة مئوية فى بعض المناطق) وهو ما يسمي بالإحترار العالمي و ذلك كنتيجة مباشرة للأحتباس الحرارى داخل الغلاف الجوى الأرضى، ويؤكد ذلك إرتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية فعلياً بمقدار 0.85°م خلال الفترة من 1880 إلى 2012 والتزايد المستمر لتركيزات ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي إلي 411.29 جزء فى المليون فى سبتمبر 2020 وبمستوي أعلى عن التركيز فى نفس التاريخ من العام الماضي 408.54 جزء فى المليون وبمستوي تركيز 310 جزء فى المليون عام 1955م. والجددير بالذكر أن هناك علاقة طردية بين زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون وزيادة درجات الحرارة، ويحدث ذلك نتيجة تصاعد كميات كبيرة من غازات الأحتباس الحرارى والتى لها خاصية منع الأشعة الحرارية من الإنطلاق من الغلاف الجوى إلى الفضاء المحيط وهذا ما يعرف بظاهرة الصوبة الزجاجية. أضف إلى ذلك إرتفاع متوسط مستوى سطح البحر في العالم بمقدار 19سم حتي عام 2013م كنتيجة لذوبان الثلوج في المناطق الجبلية والقطبية بسبب إرتفاع حرارة الأرض (وقد تم تأكيد هذا الإرتفاع فى مستوي سطح البحر على شواطيء دلتا مصر من خلال معهد بحوث الشواطيء).

إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ

على المستوي الدولي توجد إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ منذ عام 1992 United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC) وهي عبارة عن إطاراً عاماً للجهود الدولية الرامية إلى التصدي للتحدي الذي يمثله تغير المناخ من خلال تثبيت تركيزات غازات الإحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون إلحاق ضرر بالنظام المناخي. وتتضمن الإتفاقيه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) The Intergovernmental Panel of Climate Change وهي تمثل الجانب العلمي لمجموعات عمل من الخبراء بهدف:

تقييم الجوانب العلمية للنظام المناخي وتغير المناخ.

تقييم مدى سرعة تأثر النظم الإجتماعية والإقتصادية والطبيعية بتغير المناخ، والنتائج السلبية والإيجابية لتغير المناخ، وخيارات التكيف مع تغير المناخ.

تقييم خيارات الحد من إنبعاثات غازات الدفيئة والتخفيف من حدة تغير المناخ.

يعقد مؤتمر الأطراف سنويا بغية تقييم تطبيق الإتفاقية والتشاور بشأن وضع إلتزامات جديدة لمواجهة الإحتباس الحراري ولكن بسبب الإنقسامات الدولية وتكلفة تحمل أعباء الالتزامات الدولية أدي ذلك إلى فشل مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ خلال السنوات الماضية فى الوصول إلى إلتزامات تحول دون إلحاق ضرر بالنظام المناخي وننتظر إنعقاد مؤتمر المناخ القادم فى نوفمبر 2020 في بريطانيا فى دورتة السادسة والعشرون26th UN Climate Change Conference of the Parties (COP26) لوضع الإلتزامات السياسية لأهداف الأتفاقية.

ويشير تقرير فجوة الانبعاثات الصادر في 26 نوفمبر من خلال برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2019 أنه في أعتاب عام 2020 ، نحتاج الآن إلى خفض الانبعاثات بنسبة 7.6% كل عام إلى عام 2030. وإذا لم نفعل ذلك، فسنضيع لحظة ختامية في التاريخ للحد من ظاهرة الإحتباس الحراري للسيطرة على زيادة درجة الحرارة فى الحدود الآمنه وهي 1.5 درجة مئوية. وإذا لم نفعل شيئًا يتجاوز التزاماتنا الحالية الغير كافية لوقف تغير المناخ فإنه من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة 3.2 درجات مئوية أعلى من مستويات ما قبل عصر الصناعة، مع تأثير مدمر.

تمثل دول مجموعة العشرين مجتمعة 78 % من إجمالى الإنبعاثات العالمية، ولكن سبعة من هذة الدول ليس لديها سياسات حتى الآن لتحقيق تعهداتها بموجب إتفاق باريس لخفض إنبعاثات الكربون. وتساهم أكبر أربعة دول من حيث الانبعاثات (الصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 28 والهند) في أكثر من 55 % من إجمالي الإنبعاثات.

تقلبات الطقس

تعتبر تقلبات المناخ وأحداث الطقس القاسية والمتزايدة أحد مظاهر التغيرات المناخية، لذلك تم رصد وتحليل الظواهر الجوية المتطرفة لتحديد الآثارعلى الزراعة المصرية في السنوات الأخيرة ( درجات الحرارة، والبرودة ، والرياح، والأمطار)، وأشارت النتائج إلى أن مدة وتواتر الطقس القاسي في مصر قد زاد في السنوات الأخيرة مع زيادة الأحداث الأكثر سخونة والأكثر برودة. كما أن للطقس القاسي العديد من الآثار الضارة على المجتمع والبيئة في مصر، مما يؤثر على صحة الإنسان والبنية التحتية والزراعة والنظم الإيكولوجية. وتعد مصر واحدة من أكثر الدول عرضة للتأثيرات والمخاطر المحتملة وللأحداث المناخية القاسية. بالإضافة إلى ذلك تم رصد عدد من الظواهر المناخية المتطرفة على مصر ومنها:-

هجوم الجراد الأحمر على مصر بشكل مكثف فى خريف 2004 بسبب تغيير اتجاه الرياح.

أضرار موجات البرد الشديد (درجات الحرارة أقل من المعتادة الدنيا والقصوى) خلال شهر يناير عام 2008 والذي تسبب في إنخفاض إنتاجية معظم الحاصلات الزراعية ومنها على سبيل المثال إنخفاض إنتاجية الطماطم (- 20%) البطاطس (- 2%) المانجو (- 30%) الموز (- 40%) عن المتوسط العام.

تكرار السيول نتيجة لهطول أمطار غزيرة على بعض المناطق فى مصر.

الموجات الحارة خلال شتاء 2010 أدت إلى إنخفاض إنتاجية محصول القمح بـ – 11.8% عن المتوسط العام، ووفقًا للتقارير الدولية فإن عام 2010 سجل درجة حرارة مرتفعة على سطح الكرة الأرضية ضمن أعلى عشرة سنوات إرتفاعاً فى درجات الحرارة إبتداء من عام 1880 وحتي عام 2010، وتم رصد الإرتفاع فى درجة الحرارة الدنيا والقصوى أعلى من المعتاد 2.2 درجة مئوية خلال فصل الشتاء 2010 مما تسببت في إنخفاض إنتاجية محصول القمح في مصر خلال موسم 2010 مقارنة بموسم 2009.

عاصفة التنين خلال شتاء 2019 والتي أدت إلى نقص كبير فى إنتاجية المحاصيل الشتوية كالقمح والفول البلدي والبنجر نتيجة غرق الأراضي الزراعية وتشبعها بالمياه لمدة عشرة أيام متتالية بالإضافة إلى موجات العواصف المتتالية.

ونظراً لتكرار مثل هذة الكوارث والمخاطر المناخية والبيئية الخارجة عن إرادة المزارعين والتي يصعب التحكم فيها وبعد مناشدات عديدة من الخبراء لذلك صدر قرار جمهوري بقانون رقم 126 لسنة 2014 وصدق علية مجلس النواب بإنشاء صندوق للتكافل الزراعي بوزارة الزراعة وأستصلاح الأراضي بهدف تغطية الخسائر والأضرار الناتجة عن المخاطر والكوارث الطبيعية التي تتعرض لها الحاصلات الزراعية وحتي الآن لم يتم تفعليل هذا القانون.

وعلى إعتبار أن التقلبات الجوية والموجات الحارة أحد مؤشرات التغيرات المناخية وقد أدت إلى خسائر فى إنتاجية القمح أكثر من 10 % عن المتوسط العام بسبب أرتفاع درجة الحرارة فقط عام 2010 فكيف سيكون التأثير حال إستمرار تزايد تركيز ثاني أكسيد الكربون والرطوبة وسرعة الرياح لذلك فإنه من المتوقع أن تتسبب التغيرات المناخية في آثار عديدة على الزراعية المصرية وسواحلها ومواردها المائية.

تأثير التغيرات المناخية على إنتاجية المحاصيل

تؤثر العوامل المناخية (الحرارة، الرطوبة، الضوء، الرياح، الأمطار، غاز ثاني أكسيد الكربون CO2) على نمو النباتات وإنتاجيتها وتتفاعل التراكيب الوراثيه للنباتات مع عوامل البيئة وتصل جميع العمليات الفسيولوجية والإيضية إلى أقصى معدل بها عندما يصل تركيز العامل إلى الحد الأمثل وينقص معدل العمليات بزيادة أو نقص شدة أو تركيز العامل البيئي عن الحد الأمثل. من المتوقع إرتفاع درجة الحرارة الدنيا بمعدل أكبر من الإرتفاع فى درجة الحرارة العظمي مما سيزيد الإستهلاكَ اثناء التنفس ليلا بشكل غير متكافييء مع معدل التمثيل الضوئي.

وطبقاً لنتائج الدراسات والبحوث فأن التغيرات المناخيه تؤثر على إنتاجية الحاصلات الزراعية الرئيسية فى مصر بمعدل نقص في الإنتاجية يتراوح من -5% إل – 20% بحلول عام 2100 ويختلف هذا النقض في الإنتاجية تبعاَ للتركيب الوراثي للمحصول ونظم الزراعة والأقليم المناخي لمنطقة الزراعة وسيناريو تغير المناخ.

الإحتياجات المائية للمحاصيل

تعتمد مصر على نهر النيل في إمدادها بموارد المياه فى ظل إضطرابات سياسية و إجتماعية في دول حوض النيل مما يدعو إلى ضرورة التفكير في كيفية التعامل مع موارد المياه و التحسب لما يمكن إن يحدث مستقبلا بجانب التغيرات المناخية المتوقعة وأثرها على موارد نهر النيل وأستخدام المياه فى مصر. ويستهلك القطاع الزراعي حوالى 75% من إجمالى الموارد المائية لذلك يجب تنمية الموارد المائية من خلال تحلية مياه البحر والمياه الجوفية بإستخدام تكنولوجيا الطاقة الجديدة والمتجددة وحصاد مياه الأمطار وتعظيم العائد المستدام من الزراعة المطرية.

ومع ذلك فإن كفاءة إستخدام المياة فى الري الحقلي متدنية جداً بسبب فشل مشروع تطوير الري الحقلي فى تنفيذ أنظمة تتناسب مع أراضي الدلتا وظروفها البيئية، على الرغم من أهميه مورد المياه بإعتباره المورد الأكثر ندره في الزراعة المصرية والحاكم لإمكانيات التوسع في الرقعة الزراعية ولقد بدأت الدولة من خلال مبادرة رئاسية للتوسع في إستخدام نظم الرى المتطور وتبطين الترع ولكن حطوات التنفيذ تحتاج الى رؤية قادرةعلى التعامل مع الواقع والبعد عن الدراسات النظرية لغير المتخصصين .

وتؤثر التغيرات المناخية علي الإستهلاك المائي للمحاصيل الزراعية ولذلك من المتوقع زيادة الإحتياجات المائية لمحاصيل بنسبة أعلى من الوضع الحالى تتراوح من 2.9٪ إلى 12٪ بحلول عام 2050 للمحاصيل الإستراتيجية وذلك تبعاً لموسم الزراعة ونوع المحصول ومنطقة الزراعة مع زيادة الإجهاد المائي للمحاصيل في مصر.

تدابير التكيف مع تحديات تغير المناخ على إنتاج المحاصيل

يعتبر التكيف هو العامل المحدد لتلافي آثار تغير المناخ على إنتاج الغذاء. وهذة التدابير تتطلب إستثمارات كبيرة من المزارعين، والحكومات، والعلماء، والمنظمات الإنمائية. ويتم تحديد أولويات الإحتياجات الإستثمارية فى منظومة التكيف بناءً على النقاط الأكثر هشاشة للمخاطر المناخية وحتي الآن الإهتمام بمخاطر المناخ علي القطاع الزراعي محدود.

يوجد تقدم كبير فى مصر على مستوي إنتاج الأصناف والتراكيب الوراثية للمحاصيل الحقلية عالية الإنتاجية والتي يتحمل البعض منها درجات الحرارة المرتفعة ولكن هذا لا يعني تكيفها مع التغيرات المناخية (التفاعل بين زيادة الحرارة وثاني أكسيد الكربون ورطوبة نسبية أعلى) وتحتاج إلى أختبارات حقيقية بمستوي يقين عالى حتي نتمكن من تحديد الإستراتيجيات الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية والتي من بينها:-

تصحيح مفهوم التغيرات المناخية الزراعية لدي متخذ القرار والباحث .

إجراء دراسات ميدانية عن مخاطر التغيرات المناخية بدقة عالية وذلك لإستخدام مخرجاتها لبناء الإستراتيجية الوطنية للتكيف مع تغير المناخ مع تفعيل وتنشيط المؤسسات البحثية التابعة لمركز البحوث الزراعية للقيام بدورها.

التربية لإنتاج أصناف ذات قدرة إستجابة عالىة لتحمل درجات الحرارة وتستجيب لمستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون.

التكيف باستخدام ألاساليب الزراعية المختلفة وتغيير أساليب الري (التحول إلى تكنولوجيات المحافظة على المياه) والممارسات الزراعية الجيدة من حيث كمية وتوقيت الري وتغيير مواعيد الزراعة وإعادة تصميم الدورة الزراعية.

التحميل والتكثيف الزراعى المتوافق .

تدعيم آلية الانذار المبكر بإستخدام الرصد الجوي الزراعى للحد من المخاطر الجويه (صقيع- إجهاد حرارى،…..الخ).

الاهتمام بالإرشاد الزراعى وتشجيع ودعم الممارسات الزراعية الجيدة والإدارة المزرعية المتكاملة.

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى