الأخبارالاقتصادالمياهحوارات و مقالاتمصر

د خالد وصيف يكتب: إبتسامة بحر البقر

>> إرتبط الأسم بالعدوان الإسرائيلي ثم أصبح رمزا للتلوث وتحول لنموذج نجاح لتنمية سيناء

خبير موارد مائية – مصر

فى الذاكرة الجماعية للمصريين إرتبط إسم بحر البقر بمعان أبعد ما تكون عن الإيجابية. «بحر البقر» تعنى عندنا حادث الغدر الشهير حينما قصفت طائرات الفانتوم الاسرائيلية مدرسة ابتدائية فى قرية بحر البقر بمحافظة الشرقية، فى اقصى شمالها الشرقى عند حدودها مع محافظة بورسعيد.

رزق البنك الزراعي المصري

هز الحادث وجدان المصريين والعالم كله، ولم تفلح الآلة الصهيونية ان تقدم مبررات منطقة لقتل 30 طفلا وجرح اكثر من خمسين. واصبح اسم بحر البقر منذ عام 1970 رمزا للغدر الاسرائيلى ورمزا لوجوب القصاص للاطفال الشهداء والذى تحقق بعدها بثلاث سنوات فى حرب اكتوبر المجيدة.
اتى بعد حادث الغدر إرتباط اسم بحر البقر بالتلوث الذى يعانى منه المصرف الزراعى الشهير، الذى يبدأ من القاهرة ثم يمتد لمسافة اكثر من 110 كيلومترا حتى يصب فى بحيرة المنزلة.

وبالرغم من ان المصرف يخترق حدود خمس محافظات وعشرات القرى والنجوع، فقد حمل اسم المنطقة التى تضم عددا من التجمعات السكنية كلها تبدأ ببحر البقر ثم تتوالى ارقامها بحر البقر واحد الى بحر البقر خمسة عشر. خصوصا وانها تقع قرب مصبه فى بحيرة المنزلة.
المنطقة لها بعد تاريخى قديم، حيث كانت تقطن تجمعات قبلية فتعيش على الرعى والزراعة بجوار بركة واسعة تشكل امتدادا لبحيرة المنزلة، وكانت ترعى على جوانبها قطعان الماشية والابقار، ومن هنا اتى اسم بحر البقر الذى ظل ملازما لها حتى الان. وبالرغم من غرابة الاسم فهو ليس الاغرب فى تلك المنطقة العريقة التى تنتشر بها اسماء اخرى اكثر غرابة واعقد فى فهم معانيها مثل ام عجرم او ..
تم انشاء مصرف بحر البقر عام 1913 كواحد من شبكة المصارف الزراعية التى قررت وزارة الاشغال العمومية فى ذلك الوقت انشائها، بعد ان تم حفر شبكة الترع الرئيسية التى بدأت مع حكم محمد على فى عام 1805، واستمرت مع خلفاؤه حتى بداية القرن العشرين.

كان تقدير خبراء الرى فى ذلك الوقت ان مكوث مياه الفيضان فى الاراضى مدة اكبر من الاحتياج لها سيؤدى الى تدهور شديد فى الانتاجية الزراعية، ويساعد فى زيادة تملح التربة خصوصا فى الاراضى الطينية ضعيفة المسامية، فتم الشروع فى تنفيذ شبكة مصارف موازية لشبكة الترع وتخدم عليها من خلال تلقى مياهها عبر محطات رفع لتنساب فى النهاية الى البحر المتوسط.
استمر مصرف بحر البقر يؤدى دوره الوظيفى فى التخلص من مياه الرى بعد استخدامها لكنه انتقل تدريجيا الى مستقبل لمياه الصرف الصحى الناتجة من التجمعات السكنية والقرى المجاورة للمصرف. وتحولت المنطقة الى بؤرة تلوث شديد الخطورة على الزراعة والصحة العامة على حد سواء.

المشكلة تم تحديدها منذ السبعينيات لكن المعالجة الحاسمة لها تاخرت كثيرا وكلما تأخر الوقت فى التعامل مع تلك المشكلة ازدادت تفاقما، حتى وصل التلوث الى مستويات مرتفعة فى بحيرة المنزلة واختل التوازن البيئى بها، هربت الاسماك النادرة من البحيرة وتقلصت مساحتها بعد ان وقعت تعديات عليها.
ان رفع ثم معالجة كمية مياه قدرها 5.6 مليون متر مكعب كل صباح هو رقم هائل حيث يتساوى مع ربع كمية مياه الشرب التى يتناولها المائة مليون مصرى كل يوم ويتم معالجتها عن طريق عشرات من محطات المعالجة فى مصر من جنوبها لشمالها.

ان توفير مياه معالجة ثلاثيا لزراعة مساحة 400 الف فدان فى سيناء هو هدف كبير متعدد الجوانب. هو يعنى فى الجانب الاقتصادي استعادة 5.6 مليون دولار الى الخزينة المصرية بحسابات تكلفة الفرصة البديلة حينما يتم تحلية نفس الكمية من المياه من البحر، وهو يعنى فى الجانب الاجتماعى حماية لاهالى سيناء من الامراض المرتبطة بالتلوث مثل الكوليرا والدوسنتاريا والتيفود وحتى الفشل الكلوى وامراض الجهاز التنفسى، وهو يعنى فى الجانب البيئى حماية التربة الزراعية فى سيناء من امراض الدلتا التى تعانى منها نتيجة التلوث، وهو يعنى فرصة واعدة لاقامة زراعات تخضع للمواصفات الدولية ويتم تصديرها بسهولة، مما يعنى مزيدا من الدعم للمزارع المصرى وللخزانة.
ابتسمت الاقدار لاسم بحر البقر الذى اصبح مرادفا لمحطتين اثنتين، الاولى ترفع المياه من المصرف مباشرة عن طريق سبعة وحدات عملاقة بقدرة 6 مليون متر مكعب يوميا لتضخ تلك المياه عبر نفقين من انفاق السلام تحت قناة السويس، لتتلقف تلك المياه محطة معالجة عملاقة تتعامل مع تلك الكمية وتنقيها للمستوى الثلاثى بما يجعلها صالحة لرى المزروعات.

زر الذهاب إلى الأعلى