الأخبارالانتاجبحوث ومنظماتحوارات و مقالاتمصر

د دينا عبد الوهاب تكتب: متبقيات المضادات الحيوية والجينات المقاومة لها فى بكتيريا الألبان

قسم المعامل الفرعية – الرقابة الصحية على الأغذية –  معمل سوهاج الفرعي – معهد صحة الحيوان – مركز البحوث الزراعية – مصر

الحليب ذلك السائل العجيب، يتجلي في تصنيعه قدرة الخالق القدير، وفي سريانه من ثدي الأمهات بشتى فصائل الحيوانات الثديية وكذا البشر رمز الرحمة والأمومة والحنان. منتج طبيعي يفرز من ثدي اناث الثدييات لتغذية صغارها يحوي عناصر الحياة والقوة والنمو والصحة. لا يماثله شئ في قيمته الغذائية وسهوله امتصاص عناصره سر بناء الأجسام  واستمرار الحياة.

منذ بداية الخليقة وعمد الانسان على استغلال الطبيعة من حوله واتخذ منها كل ما يلزم لغذائه وبقائه على قيد الحياة. وقد دلت نقوش ومخطوطات الحضارات القديمة على استئناس الانسان للأبقار والأغنام والماعز والابل للحصول على ألبانها، واستخدام تلك الالبان في تغذية الانسان وخاصة صغار السن وأيضا كبار السن ممن لايقدرون على هضم الطعام جيدا، وكذلك الشباب اليافع الذين بحاجة لغذاء يمدهم بالطاقة.

وباختلاف البقعة الجغرافية برز دور بعض الحيوانات في الحضارات الانسانية كمصدر لانتاج الحليب، نجد الإبل والماعز والضأن في شبه الجزيرة العربية. الأبقار في الهند وإفريقيا وأوربا، الجاموس في آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية. وسجل التاريخ المصري القديم على جدران المعابد نقوشا لعملية حليب الأبقار تقديسا وتقديرا منهم لتلك الهبة الربانية. ومن تلك النقوش يتضح جليا عدم وجود الإبل أو الجمال وكذا الجاموس في مصر القديمة مما يشير الى حداثة توطنهم في مصر للعصور اللاحقة.

يعد حليب الأبقار والجاموس من أهم مصاددر الغذاء للأنسان على مستوى العالم أجمع، قد يضاف اليهما ألبان حيوانات أخرى كالإبل والماعز والأغنام. لكن ظل الاعتماد الأكبر على حليب الأبقار في عمليات تصنيع منتجات مختلفة تعتمد على الحليب.

ومع ذلك كسائر أعضاء جسم الحيوان قد يتعرض الضرع لبعض الإصابات البكتيرية التي تسبب التهابات بأنسجته مما يؤثر سلبا على انتاج اللبن أو جودة اللبن المنتج منه.

تاريخ اكتشاف المضادات الحيوية واكتشاف البكتيريا المقاومة لها

ومنذ اكتشاف البنسيللين عام 1928 في بدايات وحتى منتصف اربعينيات القرن الماضي، وما تلى ذلك من اكتشاف الاستربتومايسين عام 1943 م وتوالت اكتشافات المضادات الحيوية وقد تم الإعتماد على المضادات الحيوية في علاج العدوى البكتيرية ونجحت في القضاءعلى العديد من الأمراض البكتيرية التي هددت البشرية في القرن الماضي مثل الدرن والسيلان والإلتهاب الرئوي والكوليرا وغيرها.

وبالمثل تم استخدام تلك المضادات الحيوية في  علاج العديد من الأمراض في الحيوانات مثل حالات التهاب الضرع، الإلتهابات الرحمية والإلتهابات الرئوية، ولم نلبث إلا وقد تم إكتشاف أنواع جديدة من البكتيريا فقدت تأثرها بتلك المضادات الحيوية.

وان بدت تلك الظاهرة جديدة ووليدة العقود الأخيرة، لكن حقيقة هي ظاهرة قديمة بقدم اكتشاف المضادات الحيوية حيث تم اكتشاف البكتيريا المقاومة للبنسيللين منذ 1957م و البكتيريا المقاومة للاستربتومايسن 1963م، استخدم الفانكومايسين” لأول مرة سنة 1972، وبعد ذلك تطورت البكتيريا المقاومة له سنة 1988. وظهر “الإميبينيم” سنة 1985 لتُكتشف البكتيريا المقاومة له في 1998. ومؤخرًا، ظهر “دابتومايسين” سنة 2003، وظهرت البكتيريا المقاومة له مع حلول عام 2004.

ومع توفر منتجات المضادات الحيوية وتخطي حدود استعمالاتها من ضرورة علاجية فقط الى جزء لا يتجزأ من الانتاج الحيواني، فقد استعمل العديد منها بشكل وقائي لتقليل ومنع الخسائر التي قد تنجم عن الاصابات البكتيرية وكذلك كمنشطات نمو.

بالإضافة الى سوء استخدامها حتى في علاج الحيوانات المصابة اما باستعمال منتج غير ملائم لنوع وطبيعة البكتيريا المسببة للمرض أو بجرعات أقل من تلك الكافية للقضاء على العدوى مما نتج عنه أجيال من البكتيريا التي قد أكتسبت مناعة ضد تلك المضادات الحيوية.

هذا بالإضافة الى مجموعات أخرى لديها مناعة طبيعية من بعض مجموعات المضادات الحيوية نظراً لخصائص تميزها عن غيرها.

أوضحت الدراسات تفسير ظهور عترات بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية هو احتمالية أن استخدام المضادات الحيوية يُسرِّع في حدوث الطفرات البكتيرية.

عندما تهاجم المضادات الحيوية الخلايا البكتيرية، فإنها بذلك تسهم في حدوث طفرات. وإذا لم تتمكن المضادات الحيوية من القضاء على البكتيريا بشكل فوري، فإن الخلايا البكتيرية تُصارع من أجل البقاء، ومن ثم يزيد استخدام المضاد الحيوي من احتمالية تحوِّر الخلايا البكتيرية وإكسابها مزيدًا من خصائص المقاومة.

علاوةً على ذلك، يمكن للخلايا التي تتمتع بخصائص المقاومة تمرير بنيتها الجديدة الى مثيلاتها بسرعة مذهلة، حيث تولِّد البكتيريا جيلًا جديدًا كل 20 دقيقة، وتستطيع أيضًا تمرير سمات المقاومة إلى البكتيريا الأخرى.

وكما قالت ماكينا “يمكن للبكتيريا أن تمرر حمضها النووي بعضها لبعض كالمسافر الذي يسلم حقيبة سفره في المطار. وإذا لم نسيطر على هذه المقاومة، فلن نعرف إلى أي حد ستنتشر البكتيريا ذات الخصائص الجديدة”.

كما يمكن لهذه الخصائص المقاومة أن تتكتل، لذا نجد تصنيفات عديدة من الخلايا البكتيرية تتمتع بمقاومة تجاه المضادات الحيوية، وهذه البكتيريا التي يصعب قتلها هي ما يُطلق عليه وصف “الجراثيم الخارقة” الذي ربما سمعت عنه من قبل .

التهاب الضرع في الحيوانات الحلابة

يوجد ما يربو على 140 نوع من البكتيريا المسببة للالتهاب الضرع في الحيوانات بالاضافة الى نسب أقل انتشارا تسببها بعض الفطريات والفيروسات. ومن أمثلة البكتيريا المسببة للإلتهابات الضرع في الحيوانات ميكروب الاستافيلوكوكس أوريس او ما يعرف بالمكور العنقودي الذهبي، والذي يعزى اليه ما بين 10-65% في المتوسط و يصنف التهاب الضرع بسبب الاستافيلوكوكس اوريس بالنوع تحت الاكلينيكي ” أي عدم وجود أعراض صريحة تدل على العدوى مثل الورم والاحتقان والألم المصاحب لعملية الحليب وهي الأعراض الاكلنيكية التي تميز حالات التهاب الضرع.

سجل قرابة ال 85% من حالات التهاب الضرع تحت الاكلينيكي في باكستان، ووجدت في  46% من قطعان الماشية في كندا  يسببه ميكروب الاستافيلوكوكس اوريس.

وقد أرجع سر انتشار هذا الميكروب في العديد من الحيوانات المتتجة للألبان إالي قدرته على العيش في طبقة الكيراتين المبطنة للغدد الثديية حيث يقوم بتكوين طبقة حماية تعرف بالغشاء البيولوجي.

وقد أشارت بعض التقارير على وجوده في الجاموس بنسب أعلى من تلك التي في الأبقار، يرجع ذلك برأي العديد من الباحثين الي طول الحلمات والشكل البندولي لها الذي يميز ضرع الجاموس مما يتيح الفرصة لغزو الضرع بالمسببات البكتيرية بصورة أعلى من تلك التي تحدث للأبقار.

أما عن مصادر وصول عدوى الاستافيلوكوكس الى ضرع الحيوان قد تعود الى أيدي الحلاب، الذباب والحشرات، والفوط المستخدمة في تنشيف الضرع مما يزيد من فرصة انتقال الميكروب للضرع السليم أثناء عملية الحليب.

يوجد العديد من العترات من الاستافيلوكوكس اوريس لكن أكثر أثارة للاهتمام هي تلك التي تتميز بمقاومتها للعديد من المضادات الحيوية فيما يعرف ” Multi-Drug Resistance” وتلك التي لديها القدرة على تكوين الأغشية البيولوجية، لما لديهم من قدرة على مقاومة المضادات الحيوية، واحتلال الطبقة المخاطية للنسيج المبطن للغدد اللبنية، البقاء فترات طويلة وتجنب تأثير الجهار المناعي عليها.

الاستافيلوكوكس المقاومة للمثيسيللين أوMethicillin resistant S. aureus والتي أشتهرت بالاختصار” MRSA” صنفت كواحدة من ” emerging pathogen” او المسببات المرضية حديثة الظهور. وهي عادة ما تكون مقتصرة فقط علي عدوي الانسان المكتسبة من المستشفيات لكن قد يصاب عامل الحلابة  بهذا الميكروب ” من مصدر بشري” وينقله للحيوان الحلاب ومنه الي الألبان ومنه الي المستهلك اذا لم يتم معاملة اللبن بطرق صحية جيدة

البكتيرية

المتبقيات الدوائية “متبقيات المضادات الحيوية “في الألبان:

المتبقيات الدوائية مما سبق تطرقنا لأحد أوجه سوء استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات  المنتجة للألبان واليكم وجهاً أخر لايقل أهمية أو خطورة. وهو المتبقيات الدوائية ولن أطرق في حديثي هنا عن كل ما يتم استخدامه لعلاج الحيوانات من مهدئات ومضادات التهابات ما يعنينا فقط هنا هو متبقيات المضادات الحيوية.

كما ذكرنا سلفاً استخدام المضادات الحيوية كوسيلة لعلاج الأمراض البكتيرية وكوقاية في العديد من الحيوانات ومن بينها تلك المنتجة للألبان، وحرصا من المنتجين والمربيين على الكسب فالغالبية لا يلتزم بما يعرف بفترة السحب أو التحريم وهي فترة يحتاجها جسم الحيوان المعالج للتخلص من متبقيات الأدوية التي تعاطاها أثناء علاجه ووتتراوح عادة بين 7 أيام الى 28 يوماً. وعدم الالتزام بتلك المدة ينتج عنه وجود نسب عالية من المضادات الحيوية في اللبن الذي ينتجه الحيوان المعالج.  وهذا يمثل خطوره كبيرة على المستهلك خاصة الأطفال وذوي الحساسية وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة كأمراض الكلى والكبد

حيث قد ينتج عنه حساسية تتراوح من أعراض جلدية وطفح جلدي طفيف الى حساسية شديدة. وأيضا قد يحدث تداخلات سلبية مع بعض الادوية التي يتناولها الانسان. وتشوهات أجنة في السيدات الحوامل. وغيرها من المخاطر. بالاضافة الى زيادة فرصة مقاومة جسم الانسان للعلاج بالمضادات الحيوية نظراً لتناولة كميات ضئيلة من المضادات الحيوية نتج عنها ظهور جيل مقاوم من البكتيريا، كأننا في حلقة مفرغة بين مضاد حيوي فقد تأثيره، وأخر يمثل خطراً على صحة المستهلك.

كيفية الحد من ظاهرة البكتيريا متعددة المقاومة للمضادات الحيوية:

مما سبق يتضح أهمية دراسة تلك العوامل ومدى توفرها في الألبان المعدة للاستهلاك الآدمي للتأكد من خلوها من تلك المخاطر بنوعيها البيولوجي متمثلا في ”  “Multi-Drug Resistant bacterial strains او متبقيات المضادات الحيوية وعلاقة كل منهما بالآخر من خلال ما يلي:

  1. استخدام وسائل حديثة للكشف عن الخلايا الجسمية في تانكات تجميع الألبان بالمزارع أو مراكز تجميع الألبان والتي تتميز بالدقة والسرعة في الأداء. استبعاد الحيوانات الايجابية لاختبار كايفورنيا، او التانكات اذا تخطت الخلايا الجسمية بها ال 200,000 خلية / ملي من اللبن.
  2. طرح بدائل علاجية تحد من تلك المشكلات كتقليل الاعتماد على المضادات الحيوية وتعزيز مناعة الحيوانات بالتحصين كما أوصت منظمة الصحة العالمية في تقاريرها مؤخراً. او استخدام بدائل طبيعية لرفع مناعة الحيوانات كالمستخلصات العشبية.
  3. الالتزام بضوابط استخدام المضادات الحيوية والاشراف الطبي البيطري اللازم وتوعية المربيين بالاستخدام الجيد للمستحضرات البيطرية والالتزام بفترة سحب الأدوية.
  4. تفعيل اختبار الحساسية للمضادات الحيوية في اختيار المضاد الحيوي المناسب في علاج الحالات المصابة لتقليل فرص المقاومة البكتيرية وتقليل الوقت اللازم للعلاج وتقليل الخسائر.

تتبني الحكومة المصرية في الوقت الراهن فكرة تعميم مراكز مجهزة لتجميع الألبان على مستوى الجمهورية والتي من شأنها رفع كفاءة المنتج وتوعية صغار المربيين بالطرق الصحية السليمة لجمع الالبان والتعامل معها، وغيرها من المزايا التي تعود بالنفع علي كل من المنتج والمستهلك.

اجري توداي على اخبار جوجل

 

مبيدات كنزا جروب

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى